التوحيد هو إفراد الله تعالى بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
ومعنى ذلك أن يعتقد المسلم أن الله وحده هو الخالق الرازق المدبر لشؤون الكون، وأنه سبحانه المستحق وحده لجميع أنواع العبادة، وأنه متصف بصفات الكمال وله الأسماء الحسنى التي سمى بها نفسه أو سماه بها رسوله ﷺ.
والتوحيد هو أعظم ما أمر الله به، وهو أساس دين الإسلام الذي جاءت به جميع الرسل عليهم السلام.
قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾فدعوة الأنبياء جميعًا كانت دعوة إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة.
للتوحيد فضائل عظيمة لا تحصى، فهو مفتاح الجنة، وأساس النجاة في الدنيا والآخرة، وأعظم سبب لنيل رضا الله تعالى. ومن أهم فضائله:
قال النبي ﷺ:
«حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»قال رسول الله ﷺ:
«مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ»قال الله تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾أي: لم يخلطوا إيمانهم بالشرك.
قال الله تعالى في الحديث القدسي:
«يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً»ولهذا كان التوحيد أعظم ما يعتني به المسلم، وأول ما يجب عليه تعلمه والعمل به.
من أعظم الأسئلة التي ينبغي لكل مسلم أن يعرف جوابها: لماذا خلقنا الله؟ لقد بيّن الله تعالى الغاية من خلق الجن والإنس فقال:
أي: ليعبدوا الله وحده دون شريك، ويوحدوه، ويطيعوه فيما أمر، ويجتنبوا ما نهى عنه.
وليس المقصود من العبادة الصلاة والصيام فقط، بل كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. فالصلاة عبادة، والصيام عبادة، وبر الوالدين عبادة، وصدق الحديث عبادة، والإحسان إلى الناس عبادة إذا قصد بها وجه الله تعالى.
ولهذا أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وأمر العباد بتوحيده وإفراده بالعبادة. فمن حقق الغاية التي خلقه الله من أجلها فاز برضا الله والجنة، ومن أعرض عن ذلك فقد خسر أعظم خسارة.
توحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بأفعاله، كَالخَلْقِ، والرِّزق، والتدبير، والإحياء، والإماتة، والملك، والنفع، والضر.
ومعناه أن يعتقد المسلم اعتقادًا جازمًا أن الله وحده هو خالق هذا الكون، ورازق جميع المخلوقات، والمدبر لشؤونها، وأنه لا شريك له في شيء من ذلك. فالله سبحانه هو الرب الحق، المتصرف في الكون كله، لا يعجزه شيء، ولا يحتاج إلى أحد، ولا يشاركه أحد في ملكه وتدبيره.
قال الله تعالى:
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾وقال سبحانه:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾وقال تعالى:
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ... فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾نعم، كانوا يقرون به!
فالمشركون الذين بعث فيهم النبي ﷺ كانوا يقرون بأن الله هو الخالق والرازق والمدبر. فإذا سُئلوا: من خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله. ومن يرزقكم؟ قالوا: الله.
لكنهم مع ذلك لم يكونوا مسلمين؛ لأنهم لم يفردوا الله بالعبادة، بل صرفوا بعض العبادات لغيره. ولهذا فإن مجرد الإقرار بأن الله هو الخالق والرازق لا يكفي حتى يعبد العبد ربه وحده لا شريك له.
رغم أن أكثر المسلمين يقرون بالربوبية، إلا أن بعض الناس قد يقعون في انحرافات تخالف هذا التوحيد، ومنها:
الأسباب مشروعة ومطلوبة، فالمسلم يعمل، ويتعلم، ويتداوى، ويأخذ بالأسباب النافعة. لكن قلبه لا يتعلق بالأسباب، وإنما يتعلق بالله الذي خلق الأسباب وجعل لها آثارها.
فالدواء سبب للشفاء، لكن الشافي هو الله. والعمل سبب للرزق، لكن الرازق هو الله.
توحيد الألوهية هو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة، فلا يُعبد إلا الله، ولا يُدعى إلا الله، ولا يُستغاث إلا بالله، ولا يُتوكل إلا عليه، ولا يُذبح ولا يُنذر إلا له سبحانه.
ويسمى أيضًا: (توحيد العبادة)؛ لأن المقصود منه إفراد الله بالعبادة وحده دون شريك. وهو معنى شهادة العز والنجاة:
أي: لا معبود بحق إلا الله.
قال الله تعالى:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾وقال سبحانه:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾العبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. فالعبادة في الإسلام ليست مجرد حركات في الصلاة أو صيام في شهر فحسب، بل هي منهج حياة كامل إذا أُريد بها وجه الله تعالى.
لقد خلق الله الجن والإنس لعبادته وحده، فليس المقصود من الحياة مجرد الأكل والشرب والعمل وجمع المال، وإنما الغاية العظمى التي خُلق الكون من أجلها هي تحقيق التوحيد.
ولهذا كان التوحيد أول واجب على العبد، وأعظم ما يُتقرب به إلى الله.
جميع الأنبياء والرسل بلا استثناء دعوا أقوامهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه، وكان أول مفتاح يبدؤون به دعوتهم هو قولهم للناس: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.
قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾وقال سبحانه:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾فنوح وهود وصالح وشعيب وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، كلهم اتحدوا في هذه الغاية الواحدة.
من العبادات الجوهرية: (الدعاء، الاستغاثة، الذبح، النذر، التوكل، الخوف والرجاء التعبدي). فمن صرف شيئاً منها لغير الله (كأن يذبح لصاحب قبر أو يستغيث بولي غائب) فقد وقع في الشرك.
كثير من الناس يظنون أن الشرك هو اعتقاد وجود خالق مع الله فقط، وهذا غير صحيح!
فالمشركون الذين قاتلهم النبي ﷺ كانوا يؤمنون أن الله هو الخالق والرازق وحده، لكنهم كانوا يصرفون بعض العبادات للأصنام والأولياء ليقربوهم إلى الله زلفى. ولهذا لم ينفعهم إقرارهم بالربوبية لما أشركوا في العبادة والقصد.
ينبغي للمسلم أن يعلم أن لله تعالى أسماءً حسنى وصفاتٍ عليا، وصف بها نفسه في كتابه، أو وصفه بها رسوله ﷺ في سنته الصحيحة.
وتوحيد الأسماء والصفات هو: الإيمان بكل ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء الحسنى والصفات العلى، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. ومعنى ذلك أننا نؤمن بأسماء الله وصفاته كما جاءت في القرآن والسنة، ونثبتها لله على الوجه اللائق بجلاله وعظمته، من غير أن نشبهه بخلقه، ومن غير أن ننفي شيئاً منها.
قال الله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾وقال سبحانه:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾فنحن نؤمن أن الله سميع بصير، وأن له سبحانه صفاتٍ تليق بجلاله وعظمته، وأنه يحب ويرضى ويغضب كما أخبر عن نفسه، لكننا لا نشبهه بالمخلوقين، ولا نسأل: كيف تكون هذه الصفات؟
الخلافات التفصيلية والمناقشات الكلامية المعقدة بين الفرق في هذا الباب ليست مقصودة هنا، ولا يجب عليك الدخول في تفاصيلها الجدلية. المطلوب منك ببساطة وبشكل ميسر: هو الإيمان الواضح بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كما آمن به الصحابة رضي الله عنهم، بقلب سليم يثبت لله صفات كماله، وينزهه سبحانه عن مشابهة خلقه.
يقوم منهج أهل السنة والجماعة والسلف الصالح في هذا الباب على أربعة أصول عظيمة يجب الحفاظ عليها:
التحريف هو: تغيير معنى النص الشرعي عن المعنى الذي أراده الله ورسوله.
مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فمن قال: إن معنى "استوى" هو "استولى" فقد غيّر معنى الآية وصرفها عن ظاهرها بلا دليل. والواجب هو إثبات ما أثبته الله لنفسه.
التعطيل هو: إنكار أسماء الله أو صفاته أو نفيها وجحودها.
فمن قال: "لا يجوز أن نصف الله بما وصف به نفسه كالاستواء أو النزول أو اليد بما يليق بجلاله" فقد عطل ما أثبته الوحي. والواجب أن نثبت الصفات كما أثبتها الله لنفسه، دون زيادة أو نقصان.
التمثيل هو: تشبيه صفات الله عز وجل بصفات المخلوقين.
فمن قال: "يد الله كأيدي الناس" -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- فقد شبه الخالق بالمخلوق. وهذا باطل؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فنثبت الصفة وننفي المشابهة.
التكييف هو: محاولة تصور أو تحديد كيفية صفات الله (كأن يسأل شخص: كيف استوى؟ أو كيف ينزل؟).
وهذا أمر لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى؛ فنحن نؤمن بالصفة، لكن لا نعلم كيفيتها.
سُئل الإمام مالك رحمه الله عن الاستواء فقال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة."
1- أسماء الله توقيفية: ومعنى ذلك أنه لا يجوز أن نسمي الله إلا بما سمى به نفسه في القرآن الكريم، أو سماه به رسوله ﷺ في السنة الصحيحة. فالله أعلم بنفسه، ورسوله ﷺ أعلم الخلق بربه؛ ولذلك لا يجوز للإنسان أن يخترع أسماء لله من عند نفسه.
مثال: قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾، لكن لا يجوز أن نسمي الله (الذاهب) لأن الله لم يسمِّ نفسه بهذا الاسم.
2- أسماء لا تطلق على الله منفردة: وردت في القرآن الكريم أفعال نسبها الله إلى نفسه على سبيل الجزاء والعدل والمقابلة، مثل قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾.
فهذه الأفعال وردت مقيدة وفي مقام الجزاء والعدل، لذلك لا يجوز أن يقال على الإطلاق: (الله ماكر أو مخادع)؛ بل يُذكر النص مقيداً كما ورد في القرآن الكريم. وكذلك بعض الأسماء لا تذكر منفردة بل مع ما يقابلها لإثبات الكمال مثل: (المعطي والمانع، النافع والضار) فلا يُفرد أحد الاسمين عن الآخر.